ابن هشام الأنصاري

132

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

. . . . .

--> - أمر في غاية الوضوح . وأما البصريون فقالوا : إن علة إعراب الفعل المضارع مشابهته للاسم ، في عدة وجوه ، والشيء إذا شابه الشيء شبها قويا أخذ حكمه ، وقد علمت أن من حكم الاسم الإعراب ، فأخذ الفعل المضارع - لما أشبهه شبها قويا - هذا الحكم . فأما وجوه الشبه بين الفعل المضارع والاسم فخمسة وجوه . الوجه الأول : أن الفعل المضارع يقع في مواقع كثيرة يقع فيها الاسم ، ألا ترى أن الاسم يقع خبرا نحو ( زيد قائم ) والفعل المضارع يقع صفة نحو ( هذا رجل يجود ) والاسم يقع صلة مع كلمة أخرى نحو ( جاءنا الذي قام أبوه ) أو وحده نحو ( جاء قائم ) وكذلك الفعل المضارع يقع صلة نحو ( جاءنا الذي يقوم أبوه ) ونحو ( جاء الذي يقوم ) والاسم يقع حالا نحو ( جاء زيد راكبا ) والفعل المضارع يقع حالا نحو ( جاء زيد يركب ) فلما وقع الفعل المضارع في هذه المواقع التي يقع فيها الاسم كان شبيها به . الوجه الثاني : أن الفعل المضارع قد يحتاج إلى حركات الإعراب لبيان المعنى المراد منه في العبارة كما أن الاسم يحتاج إلى حركات الإعراب ليدل على المعنى المراد منه ، وقد ضربنا لذلك مثلا في الاسم كما ضربنا له مثلا في الفعل فيما أسلفناه في هذا المبحث ، فلا حاجة بنا إلى إعادته هنا . فإن قلت : أفلست قد أنكرت على الكوفيين أن يتمسكوا بهذا الوجه لقصور هذا المعنى في الفعل عنه في الاسم ، لأنه في الفعل غير متعين ، وهو في الاسم متعين ؟ . قلت : إنما أنكرت على الكوفيين أن يتمسكوا بهذا الوجه فيجعلوه سببا موجبا لأن يكون الإعراب أصلا في الفعل كما كان سببا موجبا لكون الإعراب أصلا في الاسم ، فأما أن يكون هذا وجها من وجوه مشابهة الفعل المضارع للاسم فلست أنكر شيئا منه ، وخاصة لأني أعلم أن وجه الشبه يكون في المشبه أضعف منه في المشبه به . وأنت لو تأملت في الأمر مليا وجدت الكوفيين يحكمون بكون الإعراب أصلا في الفعل قياسا على الاسم ، ويجعلون توارد المعاني المختلفة المحتاجة في التمييز بينها إلى الإعراب علة لهذا القياس ، وقد علمنا أن وجود العلة في الفرع - وهو هنا الفعل - يجب أن يكون مثل وجودها في الأصل - وهو هنا الاسم - فإذا ضعف وجود العلة في الفرع عن وجودها في الأصل كان قياسا مع الفارق ، وهو لا يجوز ، أما البصريون فيذكرون أن علة الإعراب في الفعل المضارع هي مشابهته للاسم ، ويذكرون وجوه المشابهة العديدة -